وهبة الزحيلي
235
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
روى ابن جرير الطبري عن قتادة قال : أنزل اللّه هذه الآية ، وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس ، فلما قبض اللّه نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد : أهل المدينة ، وأهل مكة ، وأهل البحرين من عبد القيس . قالوا : نصلي ولا نزكي ، واللّه لا تغصب أموالنا ، فكلّم أبو بكر في ذلك ، فقيل له : إنهم لو قد فقهوا لهذا ، أعطوها وزادوها . فقال : لا واللّه ، لا أفرّق بين شيء جمع اللّه بينه ، ولو منعوا عقالا مما فرض اللّه ورسوله ، لقاتلناهم عليه ، فبعث اللّه عصابة ( جماعة ) مع أبي بكر ، فقاتل على ما قاتل عليه نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسا ارتدوا عن الإسلام ومنعوا الزكاة ، فقاتلهم حتى أقروا بالماعون ( وهي الزكاة ) صغرة ( أذلاء مهينين ) أقمياء ( ذليلين ضعفاء ) . فأتته وفود العرب فخيرهم بين خطّة مخزية أو حرب مجلية ، فاختاروا الخطة المخزية ، وكانت أهون عليهم ، أن يقروا أن قتلاهم في النار ، وأن قتلى المؤمنين في الجنة ، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ، ردّوه عليهم ، وما أصاب المسلمون لهم من مال فهو لهم حلال « 1 » . والخلاصة : إن هذا من إعجاز القرآن والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ إذ أخبر عن ارتداد العرب ، ولم يكن ذلك في عهده ، وكان ذلك غيبا ، ووقع ما أخبر به بعد مدة ، وأهل الردة - كما بينت - كانوا بعد موته صلّى اللّه عليه وسلّم . قال ابن إسحاق : لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد : مسجد المدينة ، ومسجد مكة ، ومسجد جؤاثا « 2 » ، وكانوا في ردتهم على قسمين : قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها ، وقسم نبذ وجوب الزكاة واعترف بوجوب غيرها ؛ قالوا : نصوم ونصلي ولا
--> ( 1 ) المرجع السابق : 6 / 183 ( 2 ) جؤاثا مهموز : اسم حصن بالبحرين ، وفي الحديث : « أول موضع جمعت فيه الجمعة بعد المدينة بجؤاثا » .